من أجل الحماية الاجتماعية المستدامة
بقلم جيمس ألين الرابع، ودانيال جيليجان، وسيكاندرا كردي، وبسمة يسة

في 186 دولة حول العالم، تُعدّ برامج التحويلات النقدية حجر الزاوية في الحماية الاجتماعية، متجاوزةً في عددها خطط الضمان الاجتماعي أو المعاشات التقاعدية. تُوفّر هذه البرامج شريان حياة ماليًا بالغ الأهمية للأسر المُستضعفة، بهدف التخفيف من حدة الفقر من خلال توفير دعم نقدي مُستدام. مع ذلك، قد تُصبح هذه البرامج عبئًا ماليًا طويل الأمد على الحكومات نظرًا لمحدودية تغيّر المستفيدين، لا سيما عندما لا تُؤدي هذه البرامج إلى انخفاضات دائمة في معدلات الفقر
ولمعالجة هذه المشكلة، يجري على نحو متزايد إدخال برامج التمكين الإقتصادي (بما في ذلك ما يُسمى ببرامج "الخروج من دائرة الفقر") كنهج مُكمّل أو بديل. تهدف برامج التمكين الإقتصادي إلى توفير مجموعة مُتكاملة من التدخلات المُعزّزة لبعضها البعض لمساعدة الأفراد على الخروج من دائرة الفقر بشكل مُستدام. كما تُبدي الحكومات اهتمامًا مُتزايدًا بمعرفة ما إذا كانت هذه البرامج قادرة على "إخراج" الأسر من الاعتمادية على التحويلات النقدية
تُقدّم برامج التمكين الإقتصادي عادةً تحويلات أصول لمرة واحدة، مع دعم في مجال الشمول المالي وتدريب على المهارات. ، بجانب دعم نقدي للاستهلاك لفترة مُحدّدة. تشير الأدلة إلى أن هذه البرامج قد تكون أكثر فعالية من المساعدات النقدية وحدها في تمكين المستفيدين من تحقيق مكاسب دخل مستدامة، مما قد يوفر مسارًا عمليًا نحو الاستقلال المالي (بانيرجي وآخرون، 2015؛ بانديرا وآخرون، 2017). وانطلاقًا من هذه النتائج، اكتسبت برامج الإدماج الاقتصادي زخمًا، حيث يجري تجريبها أو تطبيقها في أكثر من 88 دولة (أريفالو-سانشيز وآخرون، 2024)، وتسعى الحكومات جاهدةً إلى إيجاد سبل لدمج هذه الاستراتيجيات في أطر الحماية الاجتماعية القائمة لديها
وتُعد تجربة مصر مثالًا واضحًا على ذلك. فقد كان برنامج التحويلات النقدية التكافلية في البلاد مصدرًا حيويًا للدعم لملايين الأشخاص، إلا أن الموارد المالية المتاحة محدودة للغاية بحيث لا تكفي التحويلات النقدية وحدها كحلٍّ للفقر (بريسينجر وآخرون، 2023). ويُؤمل أن يُسهم انتهاء فترة استفادة المستفيدين الحاليين من التحويلات النقدية في توفير موارد عامة للوصول إلى المزيد من الأسر الفقيرة. لحشد الدعم للخيار الجديد، منحت الحكومة الأسر المستفيدة من التحويلات النقدية خيارًا: هل تفضلون البقاء مؤهلين للحصول على التحويلات النقدية الشهرية أم الانضمام إلى برنامج الإدماج الاقتصادي؟
في هذا المقال، نعرض نتائج استطلاع رأي أُجري على الأسر خلال فترة التسجيل في برنامج الإدماج الاقتصادي، وذلك لرصد آراء المستجيبين حول قرارهم. ونوضح أن المعتقدات المتعلقة بمدة دعم الاستهلاك وإمكانية تحقيق الدخل من البرنامج تؤثر على تفضيلات الأسر للبرنامج الجديد. ومع استمرار تزايد عدد هذه البرامج عالميًا، تُبرز هذه النتائج أهمية تصميم حوافز اقتصادية جذابة وإيصالها بوضوح لتشجيع المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية
يُعد هذا البحث واحدًا من بين عدد من مشاريع المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI) التي تُسهم في توثيق فعالية برامج الإدماج الاقتصادي في مصر وإثيوبيا وكينيا والصومال وغيرها
نهج مصر الرائد: إتاحة خيارات الحماية الاجتماعية
تُجري الحكومة المصرية ابتكارات في مجال الحماية الاجتماعية من خلال تجربة نهج جديد للإدماج الاقتصادي، مصمم لدعم خروج المستفيدين من برنامج التحويلات النقدية. يُطلق على برنامج الإدماج الاقتصادي الجديد اسم "فرصة". ويتلقى المشاركون أصولًا إنتاجية، تتمثل أساسًا في الأغنام والماعز، ودعمًا استهلاكيًا قصير الأجل، وتدريبًا مناسبًا لضمان قدرتهم على استخدام هذه الموارد بفعالية وتحقيق نمو مستدام في الدخل. البرنامج متاح للمستفيدين الحاليين من برنامج التكافل، وكذلك لمن هم على وشك استيفاء شروط الحصول على التحويلات النقدية. ومن المثير للاهتمام أن الحكومة ابتكرت نهجًا جديدًا لتحديد المستفيدين من الإدماج الاقتصادي القادرين على تحقيق الاكتفاء الذاتي، حيث منحت الأسر خيار البقاء في برنامج التحويلات النقدية الحالي أو الانضمام إلى برنامج الإدماج الاقتصادي الجديد.
تفضيلات الأسر: استطلاع رأي خلال عملية التسجيل في برنامج الإدماج الاقتصادي
ركز تقييم المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية للبرنامج التجريبي على 160 قرية فرعية موزعة على ثماني محافظات. لدراسة كيفية استجابة المستفيدين لهذا الخيار بين التحويلات النقدية والإدماج الاقتصادي، أجرى باحثو المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية مسحًا للأسر المعيشية خلال مرحلة استقطاب المشاركين في برنامج الإدماج الاقتصادي. جمع هذا المسح بيانات ديموغرافية وقاس آراء المشاركين الأوائل حول البرنامج
كانت النتائج كاشفة. فقد أفادت 32% فقط من الأسر بتسجيلها في برنامج الإدماج الاقتصادي في منتصف فترة الاستقطاب، وهو ما يقل بكثير عن توقعات صانعي السياسات. والجدير بالذكر أن التسجيلات كانت في الغالب من أسر أكبر حجمًا، وأكثر ميلًا لترشيح النساء كمستفيدات، وأسر عانت من صدمات اقتصادية مؤخرًا. يشير هذا إلى أن بعض خصائص الأسر قد تجعل برنامج الإدماج الاقتصادي أكثر جاذبية، لا سيما عندما تواجه الأسر عدم استقرار اقتصادي أو تحتاج إلى دعم أكبر
علاوة على ذلك، كانت لدى المستجيبين تصورات متباينة وغير مؤكدة بشأن سمتين رئيسيتين من سمات تصميم برنامج الإدماج الاقتصادي. أولًا، لم يكن الكثيرون متأكدين من مدة دعم الاستهلاك، أي إلى متى ستستمر التحويلات النقدية في إطار البرنامج. ثانيًا، تباينت آراء المستجيبين حول مقدار الدخل الشهري الذي يمكنهم تحقيقه من الأصول التي يوفرها البرنامج. في الواقع، أفاد المشاركون بتفاوت كبير في آرائهم حول هذه المواضيع
اختبار دور تصميم البرنامج: رؤى من تجربة الرسائل المرئية
لفهم كيفية تأثير تصورات المشاركين حول خصائص تصميم البرنامج على اهتمامهم به، تضمن الاستطلاع تجربة رسائل مبتكرة، حيث عُرض على المشاركين فيديو رسمي من إنتاج وزارة التضامن الاجتماعي المصرية. وعُرض على المشاركين عشوائيًا أحد ثلاثة فيديوهات مختلفة. شاهدت المجموعة الضابطة فيديو يحتوي على معلومات أساسية فقط سبق نشرها في المجتمعات المحلية. بالإضافة إلى ذلك، عرض فيديو آخر بعنوان "مدة التحويل" إعلانًا عن سياسة رسمية جديدة بشأن مدة التحويلات لدعم الاستهلاك ضمن برنامج الإدماج الاقتصادي، بينما عرض فيديو ثالث بعنوان "شهادات" شهادات حقيقية لمشاركين في برنامج "فرصة" حول دخلهم الشهري من خلال البرنامج. بعد مشاهدة الفيديو، سُئل المشاركون عن مدى استعدادهم لتوصية البرنامج لصديق أو جار (كمقياس لاهتمامهم بالبرنامج)، وعن تصوراتهم حول تصميم البرنامج
أظهرت تجربة الرسائل أن وضوح التواصل بشأن خصائص تصميم البرنامج يؤثر بشكل كبير على الاهتمام به. كان لكل من الإعلان الرسمي عن سياسة مدة دعم الاستهلاك وشهادات المشاركين أثر إيجابي على رغبة المستجيبين في التوصية بالبرنامج لأصدقائهم أو جيرانهم، مقارنةً بالفيديو المرجعي الذي يعرض معلومات أساسية. و على وجه الخصوص، أدى فيديو مدة التحويل إلى زيادة اهتمام الأفراد الذين لم يسجلوا بعد في برنامج الإدماج الاقتصادي، في حين أدى فيديو الشهادات إلى زيادة اهتمام أولئك الذين سجلوا بالفعل (الشكل 1)
الشكل 1

نلاحظ نمطًا مماثلًا عند النظر إلى تأثيرات الفيديو على تصورات هذه السمات التصميمية الرئيسية. فبين الأسر التي لم تسجل في البرنامج، أدى الإعلان عن السياسة إلى تعزيز التصورات المتعلقة بمدة التحويلات النقدية ، مما جعل البرنامج أكثر جاذبية (الشكل 2)
2 الشكل

أما بالنسبة للمسجلين بالفعل، فقد أدى الاستماع إلى شهادات واقعية حول إمكانات الدخل من أصول البرنامج إلى تعزيز المعتقدات بشأن فرص كسب الدخل وزيادة الحماس تجاه البرنامج، مما يؤكد أهمية المعلومات الموثوقة وقصص النجاح الملموسة في تعزيز الإقبال عليه (الشكل 3)
الشكل 3

:الآثار المترتبة على صانعي السياسات: تصميم برامج حماية اجتماعية فعّالة و كيفيات التواصل
يقدم التحليل، في مجمله، أدلة تجريبية قوية على أن مدة التحويلات والدخل الشهري المتوقع في برنامج الإدماج الاقتصادي من أهم سمات التصميم التي قد تؤثر على المشاركة، لا سيما عند تنافسه مع برنامج تحويلات نقدية قائم.
:وتقدم هذه النتائج لصانعي السياسات دروسًا عديدة
1- يُعد تصميم البرنامج أمرًا بالغ الأهمية. فمعايير التصميم الواضحة والجذابة، مثل مدة حصول المستفيدين على الدعم النقدي أو الدخل المحتمل من أصول البرنامج، هي مفتاح تشجيع الانتقال إلى برامج الإدماج الاقتصادي. لذا، يتعين على صانعي السياسات تحديد هذه المعايير مبكرًا وإيصالها باستمرار إلى الأسر المؤهلة. كما يجب على المشاركين معرفة ما إذا كان سيُسمح لهم بإعادة التقديم لبرنامج التحويلات النقدية.
2-للرسائل أهمية بالغة. فعندما يكون المستفيدون غير متأكدين من تفاصيل البرنامج، قد يترددون في ترك نظام التحويلات النقدية المألوف، حتى لو كان البرنامج الجديد يقدم مزايا أكثر. ومع ذلك، وكما أظهرت تجربة الرسائل، فإن توفير معلومات واضحة وموجهة حول سمات البرنامج يمكن أن يؤثر بشكل كبير على تفضيلات المستفيدين. بالنسبة للحكومات الساعية إلى تطبيق برامج الإدماج الاقتصادي، يُمكن للتواصل الواضح أن يُحفز مشاركة أكبر ويُحسّن نتائج البرنامج.
3-وتلعب عوامل أخرى دورًا في ذلك. فقد قام باحثو المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية بمطابقة استجابات الأسر مع نموذج نظري لتقدير قدرته التنبؤية. وأظهرت هذه الدراسة أنه بالإضافة إلى تصميم البرنامج، توجد أدلة تشير إلى أن تكاليف الجهد، وتفضيلات المخاطرة، وعوامل أخرى قد تؤثر على اختيار الأسر بين التحويلات النقدية وبرامج الإدماج الاقتصادي. لذا، فبينما يُعد تصميم البرنامج مهمًا، يجب على صانعي السياسات أن يضعوا في اعتبارهم أن هذه العوامل الأخرى تلعب دورًا هامًا أيضًا.
الطريق إلى الأمام: بناء أنظمة حماية اجتماعية مستدامة
مع ازدياد شعبية برامج الإدماج الاقتصادي عالميًا، لا سيما في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، يمكن أن تُفيد الدروس المستفادة من التجربة الرائدة في مصر في وضع استراتيجيات الدول الأخرى. ويُعدّ الجمع بين التحويلات النقدية ومسارات مُهيكلة نحو الاستقلال المالي سبيلًا واعدًا للحدّ من الفقر بشكل مستدام. إلا أن نجاح هذه البرامج يعتمد على إقناع متلقي التحويلات النقدية بالانتقال إلى برامج الإدماج الاقتصادي الجديدة. بالنسبة لصانعي السياسات والعاملين في مجال التنمية، يعني هذا تصميم برامج ذات فوائد واضحة، وهياكل شفافة، واستراتيجيات تواصل فعّالة. وبينما تستكشف الدول مناهج مستدامة للحدّ من الفقر، يُمكن أن يُشكّل دمج هذه الدروس في السياسات الوطنية خطوة نحو مجتمعات أكثر مرونة وتمكينًا.
للمزيد من المعلومات، يُرجى الاطلاع على ورقة العمل الصادرة عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
جيمس ألين الرابع باحث مشارك في وحدة الفقر والمساواة بين الجنسين والإدماج التابعة للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية دانيال غيليغان مدير وحدة الفقر والمساواة بين الجنسين والإدماج. سيكاندرا كردي باحثة وقائدة برنامج مصر في وحدة استراتيجيات التنمية والحوكمة التابعة للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية؛ بسمة يسا باحثة مشاركة في وحدة استراتيجيات التنمية والحوكمة، ومقرها القاهرة. يستند هذا المنشور إلى بحث لم يخضع بعد لمراجعة الأقران. الآراء الواردة فيه تعبر عن وجهة نظر المؤلفين.
مُوِّل هذا البحث من قِبَل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ضمن مشروع "تقييم الأثر وبناء القدرات" الذي نفذه المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية ، من خلال البنك الدولي ووزارة الخارجية والكومنولث والتنمية في المملكة المتحدة، ومبادرة المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية بشأن السياسات والاستراتيجيات الوطنية، ومبادرة المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية بشأن المساواة بين الجنسين
:الورقة البحثية المرجعية
ألين الرابع، جيمس؛ جيليجان، دانيال أو؛ كردي، سيكاندرا؛ و يسى ، بسمة. 2024. هل تُفضِّل؟ خيار الأسر بين التحويلات النقدية أو برنامج الإدم الاقتصادي. ورقة عمل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا رقم 44. واشنطن العاصمة: المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية. https://hdl.handle.net/10568/158340
